في معاني المواطنة

by Nabil Farhat on Tuesday, June 29, 2010 at 8:27pm ·

يتردد مصطلح العقد الإجتماعي على امتداد تاريخ أدبيات الفكر الإنساني منذ القدم وفي عدّة مجالات مختلفة منه، ابتداءًا من تأسيس قرطاج الى الدولة الرومانية.

و لهادا المصطلح ظهور بارز ايضا في فلسفات عزربعل القرطاجي و ارسطو و سقراط و افلاطون و غيرهم من الفلاسفة القدامى.

و تمت دراسته و بلورته بشكل نظرية علمية على يد بعض علماء الاجتماع في القرن السابع عشر , لتظهر فيما بعد انعكاساته كرمز محرّك لأحداث سياسية غيرت مجرى التاريخ الحديث مثل الثورة الفرنسية و الثورة الامريكية .

تحت نظرية التعاقد الاجتماعي، يحمل كلً من المواطنين الحقوق والمسؤوليات بحيث ينبغي على كل فرد من افراد المجتمع العمل من اجل تحسين اوضاع المواطنة في جماعة مشتركة من خلال المشاركة الاقتصادية، والخدمة العامة ،و العمل التطوعي، وغير ذلك من الجهود الرامية التي تؤدي إلى تحسين الحياة من أجل جميع المواطنين. وفي هذا السياق ولدت فلسفة المواطنة الفاعلة.

هذه الواجبات الإلزامية على المواطن تتفاوت طبعا من بلد لاخر ويمكن أن تشمل هاته الواجبات البنود المعهودعليها نظريا مثل دفع الضرائب والعمل في هيئاة المحلفين بصفة عامة,والتصويت والخدمة في القوات المسلحة حال المناداة, كما يجب على المواطنين إطاعة القوانين الجنائية التي سنتها حكومتهم المنتخبة، حتى أثناء وجودهم في الخارج و إظهار الالتزام والولاء السياسي للدولة والمجتمع و انتقاد ظروف الحياة السياسية والمدنية والمشاركة من أجل تحسين نوعية الحياة السياسية والمدنية و احترام حقوق الآخرين والدفاع عن حقوق الفرد وحقوق الآخرين ضد أولئك الذين يسيئون إليها.

و في اطار تأدية الواجب الوطني يخوض بعض من المواطنين التونسيين من مستعملي الأنترنات في بلادنا هذه الأيام "حربا ضروسا" ضد "الرقيب الإلكلتروني" الذي أطلقوا عليه اسم "عمّار" و اسسوا مجموعات افتراضية تضم الالاف من الاعضاء و قاموا بمبادرات عديدة لمقوامة الحجب في تونس في خلال الاشهر القليلة الماضية و بداية من شهر ماي 2010 حيث اجتاحت في شهر افريل 2010 موجة من الحجب العشوائي شبكة الانترنات في تونس لتطول مواقع عالمية و علمية و صفحات مواطنين و مجموعات مواطنين مستقلين و غير تابعين للاحزاب السياسية التي اعتيد على حجب مواقعها و صفحات اعضاءها سواءا ان كانت تلك الاحزاب قانونينة او غير معترف بها.

فقد قامت مجموعة من المواطنين التونسيين بجمع اكثر من عشرة الاف توقيع على عريضة موجهة لرئيس الدولة تطلب منه ايقاف الحجب العشوائي للمواقع و الصفحات الالكترونية على الانترنات,و تم جمع تلك التوقيعات على صفحة على الشبكة الاجتماعية الفايسبوك و تم حجب تلك الصفحة في تونس.

ثم توجهت مجموعة المواطنين الى الترويج لحملة افتراضية اطلق عليها عنوان "سيب صالح" ليعبر اعضاءها الخمس و العشرون الفا عن احتجاجهم على الحجب العشوائي من خلال ارسال صور لهم لنشرها على صفحة الحملة

ثم تواصلت مساعي مواطيننا الشبان من خلال حملة "نهار على عمار" التي قرروا فيها مزيد تفعيل مواطنتهم بتقديم اعلام للتظاهر امام وزارة تكنولوجيات االاتصال بنهج انقلترا بتونس العاصمة و الدي تم رفضه من قبل وزارة الداخلية و تم التظاهر امام سفارات تونس في باريس و مونترال و ممثلية تونس لدى الامم المتحدة في نيويورك و تم ايضا الخروج الى شارع الحبيب بورقيبة بتونس العاصمة باقمصة بيضاء كتب عليها بعض الشعارات المناهضة لسياسة الحجب المتبعة و تدعو " عمار" لان " يسيب صالح" و اطلق تونوسيونا يالخارج شعارات من بينها " تونس تونس حرة حرة و عمار على برة"".

و بعد شهر تقريبا من مبادرة 22 ماي , يواصل شباب تونس مجهوداتهم بارسال رسائل لاعضاء مجلس النواب تطلب منهم مسائلة الحكومة عن أسباب و مصادر هذا المنع المنهجي وتطلب منهم اعلان موقفهم الصريح من مسألة الحجب تحت قبة مجلس النواب بصفتهم التي منحهم اياها الدستور يعني كممثلين لكل الشعب التونسي و على ضوء الفصل الخامس والعشرين من الدّستور الذي ينصّ على أن كلّ نائب يمثّل الأمّة جمعاء.

و اعلنوا ان توجه مجموعة نهار على عمار الان هو المطالبة بان يعلن السادة و السيدات النواب عن مواقفهم من الحجب داخل مجلس النواب و سيقوم اعضاء صفحاتهم بارسال رسائل كثيرة الى اعضاء مجلس النواب. و حددوا الى منتهى هاته السنة البرلمانية اي يوم 15 جويلية 2010 قبل جرد موافقهم تجاه مسألة الحجب تحت قبة البرلمان.

و اعلنوا انه بعد يوم 15 جويلية ستعلن صفحاتهم عن اسماء النواب الدين تم التوجه اليهم برسائل و النواب الدين اتخدوا موقفا داخل مجلس النواب ضد الحجب و الدين لم يتخدو موقفا سيعتبرونهم مساندين للحجب.

بقطع النظر عن الملاحظات المتعلقة بمدى تمثيلية النواب للشعب التونسي و مدى فاعليتهم في الدفاع عن حرية شعبنا من عدمها , مجموعة نهار على عمار تخاطب اليوم مؤسسة دستورية هي من اهم مؤسسات الجمهورية و هي التي قتل التونسيون بالرصاص الحي في الشوارع من اجل تاسيسها و ضمان تمثيليتها للشعب.

ففيما يتعلق بمسألة الحجب , سيقومون بجرد موقف هاته المؤسسة الدستورية من قضية وطنية محورية و التي تمس التونسي المستعمل للانترنات يوميا و تمنعه من حقه الدستوري الطبيعي في حرية الابحار على الانترنات دون اعاقة او حجب او التعدي على سرية مراسالاته من خارج القانون.

و يبدو انهم مصرون ,و اعلنوا انهم سيواصلون مساعيهم في اطار ما يسمح به القانون و الدستور, و انهم سيضعون الجميع امام مسؤولياتهم الدستورية و الاخلاقية لايقاف هاته الممارسات الغير القانونية.

في رأيي كل من يدعم الحجب العشوائي , هو في النهاية يدعم مخالفة القانون و الدستور و بالتالي لا شرعية قانونية او دستورية او اخلاقية له.

الحجب العشوائي المتبع في تونس غير قانوني و غير دستوري . و في رأيي ايضا من يدعو اليه و يبرر له فهو يدعو للخروج عن القانون و بالتالي يدعو الى الفوضى و يهدد اسس الجمهورية

ان التمشي المسؤول و الشفاف لهاته المجموعة من مواطنينا لا يترك اي خيار لاي تونسي حر الا لان يدعمهم و يتبع خطواتهم الخلاقة و البناءة في مقاومة الحجب من خلال التمسك بالثوابت الوطنية و الاسس الجمهورية
.
ان دعم هاته المبادرات مطلوب اليوم من كل مواطن يريد ان يغير الوضع الحالي.


Share
  • Abdeslam Toukebri, Yassine Ayari, Mohamed Nasra and 3 others like this.
    • Sam Tounsi
      بحديثك عن العقد الإجتماعي أصبت عين الداء
      مشكلة تونس أنه لم يتم فيها عقد بين أفراد المجتمع لتنظيم حياتهم المشتركة عن طريق جهاز دولة
      المشكلة أن الدولة كانت عقد سياسي بين الحزب الدستوري و فرنسا و ليس اجتماعي كما هو الحال في أوروبا حيث صاغ الش...عب بيده دولته و قانونه
      في ما يخص الحجب أحيي فيك تفاؤلك و لكن ما قلته لا يعبر بالضرورة عن الواقع
      المجموعة التي تحركت ضد الحجب هي مجموعة صغيرة جدا و الشعب التونسي عامة لم يضق ضرعا بالحجب بل أن الأغلبية متحمسة له
      See More
      June 30, 2010 at 12:08am · 1
    • Tunisia Watch
      ملاحظات حول المواطنة

      شكرا على هذا المقال الممتاز حول العودة القوية لحس المواطنة في تونس وخاصة لدى هذه الحركة الواعدة للشباب التونسي التي نشاهد تفاعلاتها و نرصد تطورها منذ مدة.

      و قد أردت التعليق حول ربط المواطنة بنظرية العقد الإجتماعي سواء...ا في صيغته الإغريقية- الروملنية التي يشير إلأيها النص أو في صيغته الحديثة في أوروبا بداية من عصر الأنوار للتذكير بأن هذه النضرية تمحورت على مر التاريخ حول حل قضية العدالة الإجتماعية حيث إعتمد اليونانيين نضرية العدالة الطبيعية للإقرار باختلاف وضع الفرد في المجتمع بحسب الطبقة الإجتماعية التي ينتمي إليها بينما نادي فلاسفة الأنوار في نهاية العصور الوسطى في أوروبا باعتماد مفهوم وضعي للعدالة قائم على المساوات بين الأفراد مهما كانت طبقتهم الإجتماعية في الحقوق و الواجبات السياسية.

      أما مفهوم المواطنة في تونس فقد ضهرن خارج السياق التاريخي الذي نشأت و تطورت فيه هذه النظريات. فالتونسيون كانوا يعتبرون إلى تاريخ الإستقلال رعايا للباي من جهة و مستعمرين (بفتح الميم) بالنسبة للسلطة الإستعمارية و لا يتمتعون بصفة المواطنة سواءا بالنسبة لدولة الباي الخادمة أساسا لمصالح الأتراك و المماليك أو بالنسبة لسلطة الإستعمار الخادمة أساسا لمصالح الفرنسيين. لذلك قامت المواطنة في مجتمعنا أساسا على التحرر من حكم الأقليات الأجنبية و لم تقم على أساس عقد إجتماعي بينها و بين بقية مكونات الشعب التونسي.

      لذلك يعتبر إعلان الجمهورية في 25 جويلية 1957 هو الوثيقة المرجعية الأولي لدولة المواطنة وقيام سيادة الشعب "نحن نواب الأمة التونسية أعضاء المجلس القومي التأسيسي : بمقتضى مالنا من نفوذ كامل مستمد من الشعب . وتدعيما لأركان استقلال الدولة وسيادة الشعب وسيرا في طريق النظام الديموقراطي الذي هو وجهة المجلس في تسطير الدستور . نتخذ باسم الشعب القرار التالي النافذ المفعول حالاّ ..." و قد جاء الدستور لاحقا بتفصيل الوضع الدستوري للمواطنة بما تقتضيه من حقوق وواجبات على أساس المساواة التامة بين كل أفراد الشعب."

      و لكن ما حصل منذ ذلك التاريخ من تجاوزات على حقوق المواطنة لم يكن بسبب عيب في تصورها أو في صياغتها و لكن بسبب ممارسات خارجة عن القانون في حقها.

      فقد إعتمد النظام المنبثق على دولة الإستقلال أساس على مبدأ أولوية حماية الدولة و لم يعتمد أولوية تكريس حقوق المواطنين. كما رسم الأهداف ذات الأولوية للدولة حول مقاومة التخلف و مقاومة الجهل و مقاومة الفقر لا على تكريس قيم المواطنة. ولكن حصل الإنزلاق في مستوى تنفيذ هذه الأهداف بين الوفاق على تحقيقها و الوصاية على المجتمع في تحدييدها و تقييم نتائجها و تحول الإلتفاف حول الدولة إلى الولاء للسلطة القائمة و تعطلت آليات التداول عليها و انعكس ذلك إجتماعيا بضهور فئات فوق القانون إثرت من إلتحامها وقربها من السلطة و اختل ميزان العدالة و المساواة و أصبح أفراد الشعب العاديين و المتضامنين مع قضاياهم من النخبة في وضع مواطنين من درجة ثانية في مقابل المتنفذين و المستغلين للسلطة و المتواطئين معهم.
      لذلك لإغن مسألة الواطنة في تونس هي بالأساس قضية تحرر و لا زالت كذلك

      المختار اليحياوي 30 جوان 2010
      See More
      June 30, 2010 at 6:43am · 1
    • Tunisia Watch لذلك فإن مسألة المواطنة في تونس هي بالأساس قضية تحرر و لا زالت كذلك
      June 30, 2010 at 6:45am · 1
    • Mohamed Nasra
      شكرا دكتور نبيل على المقال القيم
      تبقى مسألة العقد الاجتماعي أذا ما تأملناها من منظور تاريخي بحت منظومة كاملة برمتها محملة بشتى المعاني و الدلالات تحدد كما أشرت المسؤليات و الحقوق و الواجبات و في مقاما أول صيانة حقوق الفرد داخل نسيج الدولة ...و بقطع النظر عن التنظير الفلسفي لهذا العقد سواء في الحقبة الاغريقية أو في الحقبة الحديثة عن طريق جون جاك روسو يبقى الأشكال في مدى نجاعة هذا العقد

      أولا في تحقيق المنشود و المطلوب و تطوير كل أجهزة الدولة
      ثانيا القانون الوضعي و المصاغ عن طريق أتفاقيات أجتماعية و ما شابهها هو الوحيد و الكفيل بتسيير كافة أجهزة الدولة و لا شيئ يعلو عليه

      أردت التعريج على هذه النقطة لأهميتها لأنه و بكل بساطة يبقى القانون قانون و حين نستمع أن القانون يكفل حرية التعبير و النشر و ما شبه ذلك فأننا هنا نرى تضارب بين ما نص عليه القانون و بين ما يحدث و أتحدث هنا في خصوص الحجب بأعتبار أن سياسة الحجب لا تمثل الا حجب للحريات
      رأي في موضوع الحجب واضح منذ مدة لا أرى أي داعي لحجب المواقع ما لم يضر ذلك بالجهاز الامني و السياسي للدولة بأعتبارها الوحيدة الحافظة لحقوق الفرد و لو أنني أساند حجب بعض المواقع التي تروج للكراهية و العنصرية و الفاشية و الارهاب المادي و المعنوي و لكن أن يكون الحجب ممارس على بعض المدونات أو المواقع الاجتماعية التي تعتبر المتنفس الوحيد لأجيالنا و شبابنا و كافة الفئات فأن ذلك لا يمثل الا خطوة للوراء
      شكرا سيدي نبيل على المقال القيم
      See More
      June 30, 2010 at 10:01am · 1
    • Yassine Ayari hethi mouch note, hethi mou7athrqa, darss
      June 30, 2010 at 3:29pm · 1