Jump to
Press alt + / to open this menu
Join or Log Into Facebook  
Do you want to join Facebook?
Sign Up

تربية الأولاد في الإسلام : التربية النفسية ( ظاهرة الخجل )

بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيِّدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين ، اللهمَّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم ، اللهمَّ علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحقَّ حقاً وارزقنا اتِّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيُّها الأخوة الكرام مع الدرس العاشر من سلسلة دروس تربية الأولاد في الإسلام.


** تربية الأولاد النفسية :
لقد تحدّثنا في دروسٍ سابقة عن مسؤوليَّة الآباء في تربية أولادهم الإيمانيّة ، وفي تربية أولادهم الخلُقيَّة ، والجسميَّة ، والعقليّة ، وها نحن ننتقل إلى أخطر موضوعٍ في التربية وهو تربية الأولاد التربية النفسيّة .

فالأب الواعي العاقل الموفّق يستطيع أن يجعل من أبنائه شخصيّاتٍ فذّةً في المجتمع ، والأب غير الواعي والذي يرتكب أخطاء فادحة في حقّ أبنائه ـ بالتعبير المألوف يحطِّمهم ـ يجعلهم يشعرون بالنقص ، يجعلهم يجبنون عن مواجهة الحياة ، يجعلهم في صفةٍ ينبذها المجتمع ، فلذلك أقول دائماً : الأُبوَّة مسؤوليَّة .

الإنسان بنيان الله ، وملعونٌ من هدم بنيان الله ، أحياناً الأب بكلمة غير واعية غير مدروسة متعجِّلة فيها ارتجال يحطِّم ابنه ، وكلمة مشجِّعة أحياناً تبعثُّ الثقة في النفس ، تجعل ابنه عظيماً ، فالقضيَّة قضيَّة حكمة ، الله عزَّ وجلَّ قال :

((يؤتى الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً وما يذكر إلا أولوا الألباب ))
( سورة البقرة الآية " 269 " )

يعني مثلاً إذا أخطأ ابنك فبينك وبينه وبأسلوبٍ لطيفٍ ومقنع تقول له: يا بنيّ هذا العمل خطأ ، هذا العمل له نتائج خطيرة ، وهذا العمل يجعلك في المجتمع منبوذاً ، وتأتي له بدليل وشاهد وقصَّة ، وبآية وبحديث ، فالابن يقتنع ، أمّا لو قمت بتعنيفه أمام أصدقائه فقد حطَّمته ، ولو عنَّفته أمام إخوته حطّمته ، أو لو صببت على أُذنه سباباً مقذعاً فقد حطَّمته ، لذلك الأب مسؤول عن تربية أولاده التربية النفسيّة ، وتوجد قاعدة في علم التربية لا أريد أن أقولها كي لا يجترئ الأبناء على آبائهم ، لكن معظم أخطاء الأبناء مردُّها إلى المربّي ، فمثلاً عندما تكذب الأم على زوجها أمام بناتها ، فهذا الكذب العملي على الزوج أمام البنات أسقط ألف محاضرة في الصدق ، القدوة هي أساس التربية .



* هناك أخطاء يرتكبها الآباء وهم يظنون أنها رحمة ولكنها في الحقيقة نقمة :
لذلك أيُّها الأخوة ، نقصد بالتربية النفسيّة أن يربَّى الابن على الفضائل ، على الصدق ، على الأمانة ، على الاستقامة ، على الجرأة ، على الكرامة ، على العزَّة ، على الانفتاح على الناس ، على القدرة على تحمُّل مشكلات الحياة ، هناك أخطاء كبيرةٌ جداً يرتكبها الآباء وهم يظنُّون أنَّ هذه رحمة ، وإنَّ هذه الرحمة التي توهّموها هي في الحقيقة نقمة على الأبناء .

طبعاً الموضوع واسع جداً لكن نختار من هذا الموضوع ظاهرة الخجل ، وظاهرة الخوف ، وظاهرة الشعور بالنقص ، وظاهرة الحسد ، وظاهرة الغضب ، هذه الأمراض النفسيَّة المتفشِّية في الصغار .

الخجل : لا يستطيع الطفل أن ينبس ببنت شفة من شدَّة الخجل ، الخجل ظاهرة مرضيَّة ، طبعاً الحياء غير الخجل ، فالحياء فضيلة ، الحياء من الإيمان ، الخجل ظاهرة مرضيَّة ، الخجل نتيجة من نتائج التربية السيِّئة .

الخوف نتيجة من نتائج التربية السيِّئة ، الشعور بالنقص ، احتقار الذّات نتيجة من نتائج التربية السيِّئة ، الحسد ، الغضب ، هذه بعض الظواهر المرضيَّة المتفشِّية في الأبناء .



* الظاهرة الأولى التي يخطئ بها الآباء هي ظاهرة الخجل :
نبدأ بالظاهرة الأولى وهي الخجل ، الطفل إذا ذهب مع أبيه إلى بيت لا يستطيع أن يتكلَّم بكلمة ، ولا أن يجيب ، ولا أن يتصرَّف ، ولا أن يصافح ، ولا أن يسلِّم ، هذا الخجل يتنامى معه فيجعله إذا أصبح شاباً يخجل أن يطالب بحقّه ولو كان محقّاً ، يخجل أن يقول : لا ولو كان مصيباً ، تضعف شخصيّته ، يصبح إمَّعة ، كلُّ إنسان يسيطر عليه ، من لوازم قوّة الشخصيّة كلمة (لا) في الوقت المناسب ، فضعف شخصيَّة الإنسان حينما يصبح راشداً أساسها ظاهرة الخجل حينما كان صغيراً .



* هناك فرق كبير بين الخجل كظاهرة مرضية وبين الحياء كفضيلة إنسانية :
مرةً ثانية أيُّها الأخوة نفرِّق دائماً بين الخجل كظاهرة مرضيَّة وبين الحياء كفضيلة إنسانيّة ، الحياء من الإيمان ، الذي يستحي أن يعصي الله عزَّ وجلَّ ، الذي يستحي أن يتطاول على كبير ، الذي يستحي أن يأخذ ما ليس له ، الذي يستحي أن يفعل قبيحاً ، أو أن يفعل فاحشةً ، فهذه فضيلة ولعلّها من أرقى الفضائل لذلك كما قال عليه الصلاة والسلام :

(( الحياء والإيمان قرنا جميعاً فإذا رفع أحدهما رفع الآخر))

[متفق عليه عن عبد الله بن عمر]

والحديث المعروف عندكم :

(( إذا لم تَسْتحِ فَافْعلْ مَا شِئْتَ ))

[أخرجه البخاري عن أبو مسعود]

لهذا الحديث معنيان متناقضان :

1 ـ المعنى الأول إذا لم تستحِ لا حساب ولا عقاب :

المعنى الأوّل أنَّك إذا لم تستحِ لا حساب ولا عقاب ، لأنّ أصل المسؤوليّة يسقط إذا اختلَّ الحياء عند الإنسان ، المجنون لا يحاسب ، وهذا الذي لا يستحي الناس يزهدون في معاتبته ، يقولون : إنَّه إنسان وقح ، إنسان فاجر ، إنسان قذر ، يبتعدون عنه .

2ـ المعنى الثاني إذا فعلت عملاً لا تستحي به من الله فلا تخشَ أحداً :

والمعنى الآخر للحديث أنّك لو فعلت عملاً لا تستحي به من الله فلا تخشَ أحداً ، افعله ولا تلوِ على أحد ، إذا لم تستحِ فاصنع ما تشاء ، الأصل أن تكون على اتصالٍ بالله عزَّ وجلَّ ، وأن يكون الله راضياً عنك .

أحياناً أخواننا الكرام يستنصحونني فأقول هذه الكلمة دائماً ، فمرّة استنصحني موظّفٌ يعمل في التموين فقلت له : إذا كنت بطلاً فهيّئ لربّك جواباً عن كلّ ضبط تكتبه ، جواباً لله عزَّ وجلّ . قال : كيف ؟ قلت له : هذا الذي يضع الموادّ الضارة في المواد الغذائيّة ـ فقد حدّثني أخ من يومين وجزاه الله خيراً أن بعض المواد الغذائيّة كالطحينة مثلاً يضعون بها مادّةً مبيِّضة (إسبيداج ) فقال لي : لا بل يضعون أكسيداً لمادّة سامّة وهم لا يعنيهم ذلك سوى أن يبيعوا هذه المادة الغذائيّة بربحٍ كبير ، أحياناً يبيعون الصفيحة يضعون بها لحماً لدابّة ميّتة ، وبعض أنواع اللحوم فيها لحم قطط ، فإذا لم يأخذ الإنسان بيدٍ من حديد على أيدي هؤلاء المنحرفين فالمجتمع يتأخّر ـ فكنت أقول لهذا الموظّف دائماً : هيّئ لربِّك جواباً عن كلِّ ضبطٍ تكتبه ، فإذا كان هذا الإنسان مسيئاً ، يسيء لأولادنا ولمجتمعه فيجب أن يحاسب ، فقد قال الله تعالى :

(( والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون * وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين ))
( سورة الشورى )



* من حقك أن تنتصر إذا بُغي عليك ولكن بالقدر نفسه الذي بُغي عليك فيه :
فقد شرحت مرَّة هذه الآية ـ فهذه الآية تحيّر ـ فهل يا ترى أنّ الله عزَّ وجلَّ يثني على هؤلاء :

(( والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون ))
( سورة الشورى )

أم يثني على الذين :

(( فمن عفا وأصلح فأجره على الله ))
( سورة الشورى )

فأوّلها :

(( والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون ))

( سورة الشورى )

وآخرها :

(( فمن عفا وأصلح فأجره على الله ))

( سورة الشورى )

الله عزَّ وجلَّ على من يثني ؟!!

الجواب : أولاً من حقّك أن تنتصر إذا بُغي عليك ، لكن إذا أردّت أن تنتصر ينبغي أن تنتصر بالقدر الذي بُغي عليك فيه :

(( وجزاء سيئة سيئة مثلها ))
( سورة الشورى )

إذا غلب على ظنّك أنّك إذا عفوت على خصمك الظالم تقرِّبه إلى الله ، وتقرِّبه من الدين ، فينبغي أن تعفو عنه وعندئذٍ أجرك على الله ، أمّا إذا غلب على ظنّك أنّ خصمك إذا عفوت عنه تزيده جرأةً على الباطل وعدواناً على الآخرين ينبغي أن لا تعفو عنه وهذه هي الحكمة .

الإنسان أحياناً عندما ينشأ بمرض الخجل إذا أصبح راشداً يخجل أن يطالب بحقُّه وأن يقول : لا ، يخجل أن يقول للمخطئ أنت مخطئ وهذه حالة مرضيّة لدى الإنسان ، فيصبح كالإمّعة تنعدم شخصيته وتذوب وينتهي .